مقالات

صورة وقضية .. محاولة اختطاف التاريخ… بعد السطو على الحاضر … د. موسى العزب

   موسى العزب

    أُنتزعت هذه الصورة من فيديو مدته حوالي (20) دقيقة، صورته ” داعش ” ونشرته على نطاق واسع. المشهد من متحف الموصل، حيث ظهر إرهابيان لداعش، يطبق احدهما على ذراع تمثال آشوري بلون حجري يميل إلى طين الأرض، ويحاول أن يزحزحه من مكانه بحركة لوحت بقاعدته، بينما ظهرت ساق إرهابي آخر يكمن خلف التمثال، يساعد بدوره في نزع الكتلة الصخرية من مكانها والإطاحة بها أرضاً، بينما وقف على يسار الصورة داعشي ثالث يحمل بين يديه مطرقة إستعداداً لتحطيم ” الصنم ” الآشوري.

        المفارقة البصرية اللافتة، أن الرجل المندفع بغلاظة نحو التمثال الساكن، يرتدي ذات الدشداشة القصيرة التي تكسو جسد التمثال، ويعتمر عمامة، ويطلق لحية لا تختلف كثيراً عن صورة هذه الضحية التي لا حول لها ولا قوة أمام هذا العنف المدمر.

        تعمّد الفيديو إظهار تفاصيل مشاهد المطارق الثقيلة وهي تهوي على التماثيل فتطيح برؤوسها أولاً، وتكمل ” مهمتها الشرعية ” بتحطيم باقي القطع الأثرية التي بلغ عددها حوالي (180) قطعة، تعتبر بحق من النفائس النادرة التي تؤرخ لأكثر الحضارات رقياً وسمواً، لبلاد ما بين النهرين منذ ثلاث آلاف سنة وامتدت لفترة طويلة منذ عدة قرون، تعتبر هذه الصورة البشعة نموذجاً صارخاً لاكثر الحقبات همجية والتي تضرب الحضارة الانسانية والمعرفية في منطقتنا، وقد احدثت صدمة مؤلمة لا تقل بشاعة عن صور الذبح والحرق التي يستعرضها ويتلذذ بها شذاذ الآفاق وتلامذة الإستخبارات الغربية والرجعية النفطية، إرهابيو الحقبة الامبريالية في فترة أزمنتها وتوحشها.

        لم يشف غليل الإرهاب إستباحة الموصل، وتدمير نسيجها الاجتماعي وتنوعها الثقافي، وتهجير سكانها وتصفية أقليتها الاثنية والقومية، وفرض نظام سطوتهم الوحشية على من تبقى من سكانها، بل ذهب الارهاب إلى ارتكاب جريمته الوحشية بتدمير متحفها الحضاري ومسجدها التاريخي.

        قبل مقارفة جريمتهم الموثقة، أحرق هؤلاء الظلاميون آلاف الكتب المعرفية في المكتبات الخاصة والجامعية في المدينة، حيث قاموا بجمع الروايات والشعر والفلسفة وقصص الاطفال وكتب الرياضيات والعلوم والصحة والثقافة وعمدوا لحرقها أمام جموع الناس الذين كانوا ينظرون بتوجس وسلبية مبهمة أمام فعلتهم ودمويتهم.

        ألا يدرك هؤلاء المجرمون، بأن هذه الاثار موضوعة في متحف وليس في معابد دينية لكي يصلى عليها؟!

        ألا يعي هؤلاء بأنهم يدمرون إرثاً تاريخياً لحضارات عريقة سادت في عصور متعاقبة وتركت لنا شواهد ابداعية توثق تاريخ البشرية وتشهد على حضارات شكلت لشعوب المنطقة والعالم، نشأة منطقتنا وبدايات التحضر والمدنية وكتابة الابجدية الأولى، ورسمت فجر الشرائع؟!

هل هو الجهل بقيمة هذه الصروح وقيمتها المادية والحضارية، هو من قاد الهمجة الظلامية لتحطيم كنوز تاريخنا البشري ومهد حضارتنا؟!

        لقد مرت على منطقتنا حقب تاريخية متعددة من غزوات وحروب، لم تفعل ما فعله هولاكو العصر. عندما إحتل هتلر فرنسا، إستعرض بعنجهية أمام معالم باريس التاريخية، وسرق بعض النفائس منها، ولكنه لم يدمرها، وفي تاريخنا الاسلامي عندما فتح عمرو بن العاص مصر، مرّ على آثارها الفرعونية الشاهقة وحيى من شيدها، وعندما دخل الخليفة عمر بن الخطاب القدس، مرّ على أديرتها ومعابدها وأوصى بحمايتها.

        في وضعنا الحالي، لم يعد الإنسان العربي وحده هو المستهدف من هذه الغزوة الجديدة، بل كل أثر مادي وحضاري يؤكد الجذر التاريخي لإرتباطنا بهذه الارض وهذه الحضارة العريقة، المتراس الأكثر أصالة لعمقنا الجغرافي في العراق وكل بلاد الشام.

 ” غزوة ” بجوهرها أمريكية صهيونية تسعى بشكل ممنهج إلى نسف وتغييب كل ما يمت للتاريخ بصلة، حتى يتسنى للغزاة الجدد وأسيادهم، تدمير الإنسان وتقديم قراءات جديدة تغاير خزائن الحقائق لماضينا وحاضرنا، ألا تقوم الصهيونية بتنفبذ نفس هذا الدور في فلسطين!؟

        تدرك هذه المجموعات ضحالة فكرتها التي لا تصمد أمام حقائق التاريخ فتمعن بالنكوص إلى الخلف لتطمس تاريخ الناس، وتفرض على المجتمع وعياً زائفاً منحرفاً، يرفض بشكل كامل الابعاد الثقافية المرتبطة بالحياة اليومية للناس، ليوصم به الحاضر والمستقبل.

        ألم تتأسس هذه الهمجية أصلاً في افغانستان، بذريعة تشكيل قوى أيدلوجية مسلحة جيداً ووحشية بشكل كافٍ حتى تحارب الوجود السوفييتي والنظام الافغاني الممانع للغرب؟

        ألا تكمن قوة التاريخ في تراكميته وترابط أحداثه وقدرته على انتاج واقعاً لنا يأخذ آنيته ومستقبله من حقائق ووقائع أحداثه؟

ألم يؤسس الغزو الأمريكي الوحشي للعراق إلى تشكيل مفاعيل تدميرية على كل المنطقة؟

        المفجع والمحزن في الأمر، هذا الصمت اللزج لما حصل في الموصل، وعدم تحرك المجتمع المحلي للدفاع عن نمط حياتهم وعن شواهد تاريخهم وخزائن حضارتهم، وهذه السلبية، المشبوهة لمجتمعاتنا العربية تجاه هذا الفيضان الآسن من الهمجية والظلامية.

إن الوقت الوجيز الذي ظهرت فيه ” داعش “، وضخامة التجهيزات العسكرية التي حصلت عليها، وقدرتها الكبيرة على المناورة والاختراق ودموية أعضائها تجاه المدنيين والشواخص التراثية، ليست سوى مؤشرات على طبيعة هذه الأداة الإستخباراتية الدولية والرجعية.

        بعد كل الذي يجري، ما يزال هناك حركات تدعي انتسابها للاسلام، وتعيش بيننا، تصدر فتاوي متطرفة تربط بين الآثار وعبادة الأوثان، وتربط بين التعاليم الدينية واستسهال قطع الرؤوس وحرق الاسرى وسبي النساء والأطفال، كما أن هناك عاملاً فقهياً حاضراً في منابرنا، وإعلامنا يشي بعدم وجود ” ممانعة ” فقهية حاسمة لممارسات هذا التيار العقائدي الظلامي، ولم نسمع حتى الأن، صوتاً اسلامياً صريحاً وفاعلاً رافضاً لهذا التيار، ويدعو لتشكيل متراساً منيعاً في وجهه.

        ما حدث في الموصل هو عار علينا، وعلامة عجز عن القدرة في الوقوف بجدية أمام حجم التدمير الجاري على بنية إنساننا ومكانته وتاريخه المادي والحضاري. 

        معالجة التطرف الديني والسياسي والإجتماعي الذي يجتاح منطقتنا العربية يحتاج اليوم قبل الغد إلى الإعتراف بالإختلالات الثقافية والإجتماعية، والتأكد بأن التغيير الديمقراطي الحقيقي، وقيم العدالة والمواطنة والسلاح الثقافي التنويري، هي أدوات الحل على المدى المتوسط والبعيد.

صورة وقضية

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق