مقالات

أداء اقتصادي متردي وتخبط سياسي وإداري/ بقلم: د. موسى العزب

تتناقض الرسائل الصادرة عن الحكومة حول الأمور الاقتصادية في البلاد، بين تبجح الرئيس “بأننا نحقق نمواً معتبراً”، وبين من يطلق صيحات الاستغاثة لقطاعات اقتصادية تكاد تتهاوى.

وفي حين تُحمّل الحكومة الأوضاع المتأزمة في الإقليم المسؤولية عن تردي الوضع الاقتصادي، إلا أن بياناتها تقول بأنها تحصر المزايا والحوافز في قطاع التكنولوجيا وبعض الإعفاءات الاستثمارية فيما قطاع الزراعة يتراجع بشكل خطير بعد فقدانه معظم أسواقه في المنطقة، والقطاع السياحي قد تضرر بشكل غير مسبوق دون أن نشهد هبّة حكومية لنجدته.

البنك الدولي يؤكد هذه النواحي للتراجع الاقتصادي، حيث يتوقع تقرير حديث صدر عنه، تباطؤ الاقتصاد الأردني خلال العام الحالي، مع توقعات بأن لا يتجاوز النمو في الناتج المحلي الإجمالي عن 2.5% وهي نسبة أقل من التوقعات الرسمية.

يُقر التقرير بأن تراجع النمو يعود في جزء منه لآثار التداعيات الأمنية لصراعات الإقليم وإغلاق الحدود مع سورية والعراق، ناهيك عن استضافة حوالي 628 ألف لاجئ سوري، ولكنه يضيف بأن هناك أسباب تنموية حقيقية من أهمها تدهور سوق العمل وازدياد نسبة البطالة والانكماش في قطاع البناء وتراجع قطاع الفنادق والمطاعم، ويؤكد البنك بأن نسبة البطالة وصلت إلى 37% وليس 14% كما تقول الحكومة.

وفي واقع الأمر، فإن السمة الرئيسية لأداء الحكومة والمؤسسة التشريعية على السواء، كان سلبياً ومتخبطاً وغلب عليه خلق الأزمات بدلاً من إطفائها.

لقد شاهدنا بأن الحكومة قد أوعزت للأعيان إدخال تعديلات على قانون الضريبة تستهدف الطبقة الوسطى، وتقترح تعديل الشرائح المعفاة وتعيد دراسة النسب الضريبية المفروضة على القطاعات، علماً بأن الحكومة نفسها قد مارست قبل أشهر قليلة كل الضغوط لتمرير قانون الضريبة الجديد متذرعة آنذاك بأنه قانون عصري يُحفز الاستثمار ويحل كثيراً من مشاكلنا الاقتصادية.

ونرى الحكومة قاصرةً عن إدخال إصلاح مالي مستحق على التقاعد المدني المشوه، وتغيب فيه العدالة والمساواة بشكل كامل، وتُعطى فيه مكتسبات دون وجه حق. تتهرب الحكومة من مس امتيازات ومكتسبات مسؤولين يتقاضون تقاعداً مدنياً مدى الحياة حتى لو شغلوا منصب وزير لشهر واحد، وعليه فإن فاتورة التقاعد قد ازدادت بمبلغ 420 دينار خلال 5 سنوات وستبلغ 1165 مليون دينار نهاية هذا العام.

من ناحية أخرى، لقد أثار القرار التعسفي لمجلس الوزراء بنقل رئيس ديوان المحاسبة إلى ديوان المظالم ونقل رئيس هيئة الفساد قبل مرور عام على تعيينه ودون استشارة مجلس النواب، لغطاً شديداً في وقت ما زلنا نطالب فيه بتفعيل دور مؤسسات الرقابة ومحاربة الفساد.

لقد مارست الحكومة ضغطاً شديداً على الساحة الإعلامية، عندما أوعزت لديوان تفسير القوانين اعتبار جرائم الذم والقدح على المواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي مشمولة بقانون الجرائم الإلكترونية وليس المطبوعات، قرار عرفي يُعري ادعاءات الحكومة بمراعاة الحريات الإعلامية، كما قامت الحكومة بتوقيف عدد من الصحافيين وأصحاب الرأي والعمل العام.

كما كشفت حادثة انفجار حاويات مفرقعات في جمرك عمان عن حجم الفساد الإداري في المؤسسة الرسمية وضلوع نواب في البرلمان في مخالفة القانون وتعميم مظاهر الرشوة والفساد.

يُسجل على الحكومة بأنه بعد أكثر من عام على إعلان حربها على “داعش”، لم تُعِد النظر بالإستراتيجية الوطنية لمحاربة التطرف والإرهاب، وتقاعسها الكامل عن محاربة التطرف الفكري والقيمي، وفي وضع رؤية متكاملة تشمل البُعد الأيديولوجي والاجتماعي والسياسي.

مؤخراً، جاء موقف رئيس الحكومة مفاجئاً وغير مبرر على الإطلاق في هجومه على كل من مديري مؤسسة “الغذاء والدواء”، و”المواصفات والمقاييس”، ولقي استهجاناً من كثير من الأطراف التي تدرك أهمية هذه المواقع ودرجة النزاهة والكفاءة التي تدار بها حالياً، وإدانة لانحيازها السافر لأصحاب الشركات والمصالح.

في العلاقة مع ما يجري من انتفاضة شعبية في فلسطين وتصاعد العدوان الصهيوني على شعبنا الفلسطيني ومقدساته الدينية في مدينة القدس. فإن الموقف الحكومي وصم بمفارقة صادمة .. جانب يدين الإجراءات الإسرائيلية، ومن جانب آخر يمارس سياسات المنع والقمع لكثير من الحراكات الشعبية لنصرة الشعب الفلسطيني والتضامن مع أهلنا هناك.

حيث لمسنا إلى أي حد تكبل معاهدة وادي عربة الأردن والتزاماته الحيوية بينما نرى معظم دول العالم قد سمحت لشعوبها بالاحتجاجات على السياسات الصهيونية، والتضامن مع الشعب الفلسطيني.

من ناحية أخرى، فقد أثارت ملابسات قرار تعيين فيصل الفايز رئيساً للأعيان خلفاً للروابدة حتى قبل أن يستقيل هذا الأخير من موقعه، كثيراً من التساؤلات، المفارقة بأن القرار قد جاء بعد أقل من أسبوع على محاضرة للرئيس المقال قال فيها: “إن السياسة الأردنية قد تميزت بالقدرة على استيعاب الاختلاف، ولم يمارس الأردن الزجر الرادع إلا عندما كانت تصل الأمور لحد التآمر والاستقواء بالآخرين”!!

من المعروف بأن قرار التعيين صحيح دستورياً، ولكنه جاء حسب ما قيل على شكل “زجر” للروابدة على ما قام به من سجال في مجلس الأمة حول قانون اللامركزية، وتحفظات أظهرها على مشروع قانون الانتخاب.

لقد كشفت هذه الواقعة فشلنا في الوصول إلى صيغة التداول السلمي للسلطات والمهام، والثغرة المنهجية في غياب الانتخابات لمجلس الأعيان ورئيسه،. لقد حمل هذا الموضوع عدة دلالات وحمل مجموعة من التساؤلات، هل بتنا حقيقة محصورين وطنياً في صراع فوقي على السلطة بين ما يسمى ليبراليون جدد، ومحافظون؟! لماذا يتم استبعاد قوى المجتمع عن الفعالية والدور السياسي؟؟ هل ينطبق الوضع مع ما يشخصه أحد المنظرين المحسوبين على “الليبرالين” بأن هناك إرادة لكسر احتكار القوى المحافظة للسلطة؟ ويستدلل على ذلك من خلال خطوات على التغيير من خلال: “إرسال جلالة الملك إشارات واضحة ومفاجئة كان أولها وقوفه ضد العديد من القوى المعادية للإصلاح داخل الدولة” ولكن السؤال الأهم: هل يوجد في الأردن تياراً متبلوراً ومتجذراً يحمل رؤية واضحة وأهداف محددة للإصلاح؟

هل يوجد ثقل أكاديمي وبحثي يطرح نظريات وفكر سياسي يقدم وصفة إصلاحية؟

في رد رئيس أعلى مؤسسة تشريعية في البلاد على كتاب الإقالة يقول: “إن التكليف بمهمة تشريف، كنت دائماً أرتفع إلى مستوى انتماء الوطن وولاء للقيادة، وكلما غادرت تكليفاً شكرت وازددت وفاءً وإخلاصاً”.

كيف بإمكاننا أن نقطع خطوات باتجاه الإصلاح، وما يزال البعض عندنا ينظر إلى الموقع العام وكأنه هبة أو ملكية خاصة مستحقة تستوجب الشكر والامتنان؟

كل ذلك في وقت تزداد فيه الخشية من فشل الحوارات النيابية من تحقيق إنجاز إيجابي ملموس على قانون الانتخاب، وتجربة قانون “اللامركزية” و “الأحزاب” الخائبة ماثلة للعيان.

حتى الآن فإن الإجابة على معظم هذه الأسئلة غير محسومة، وما يزال الإصلاح مفهوماً تستخدمه الطبقات والقوى المختلفة في مجتمعنا، بدلالات ومفاهيم مختلفة وحسب مصالحها وموقعها من السلطة.

لا يمكن أن ننجز إصلاحاً من خلال حسم توازنات داخل التحالف الطبقي للنظام، هؤلاء لم يفعلوا شيئاً سوى تعطيل أي إمكانية لتحقييق إصلاح سياسي اجتماعي، ولم يفعلوا سوى تدوير المصالح بين أطراف تحالفهم، وتوزيع “عادل” للسلطة والثروة بينهم.

معركة الإصلاح يجب أن تقودها القوى صاحبة المصلحة الحقيقية في التغيير، قوى المعارضة من أحزاب ومؤسسات مجتمع المدني هي الضمانة لقيادة هذه المعركة، جوهر الإصلاح في هذه المرحلة في أن يتولى الشعب سلطاته الدستورية عن طريق حكومات برلمانية منتخبة على أساس برامج وطنية وتمثيل وطني، وإذا لم يشارك الناس بكافة فئاتهم المهنية والاقتصادية في اتجاه مصالحهم مع الأحزاب والنقابات وكل مؤسسات المجتمع، فإنه لا يمكننا أن نتقدم خطوة واحدة في اتجاه الإصلاح.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق