أخبار محلية

تحت شعار المهننة، تجري تصفية النقابات المهنية!

هل حان الوقت لفتح ملف النقابات المهنية؟ مؤسسات المجتمع المدني السباقة إلى تكريس تقاليد العملية الديموقراطية وأول من مارس عمليات الترشح والانتخاب بنظام القوائم والبرامج الانتخابية قبل أن تُمارس وطنياً بعقود، نراها اليوم تنكفئ إلى الداخل وتعيش تآكلاً لدورها الوطني ومهامها المهنية والنقابية على السواء.
لقد شكلت القائمة الخضراء في معظم النقابات الفاعلة، منصة للعمل النقابي الديمقراطي وحاضنة للعمل الوطني سياسيا وجماهيريا، بينما نلحظ الآن، وبعد تسيد أصحاب شعار مهننة النقابات مفارقة غريبة تتمثل في غياب النقابات بالكامل عن الشأن المجتمعي، وفي نفس الوقت تردي أداءها المهني النقابي، وتتبدى هذه الظاهرة بصورة لافتة في نقابتي الاطباء والمهندسين، وبعض النقابات الأخرى بدرجات مختلفة..في النقابتين مثار النقاش، نلحظ بأن أداء «الخضراء» الانتخابي كان مفجعا للدورة الاخيرة «للأطباء»، وعلى مدى أكثر من 23 عاما للمهندسين، حيث سيطرت على قيادة النقابتين، تشكيلات القائمة البيضاء التي تمثل الإتجاه الديني، وتكرس استفراد المجالس بكل مقدرات النقابة ونشاطها، بينما يتم اقصاء التيارات الأخرى، وفاقم من ذلك غياب آليات التمثيل النسبي عن العملية الانتخابية، فأصبح النجاح بأغلبية نسبية يعني الظفر بكل هيئات النقابة ولجانها..
تميزت هذه الفترة بالتخبط ونقص الخبرة، وإنتشرت سياسة التنفيع الزبائنية وازداد الإنفاق، وغابت الشفافية، ليتم التفريط بمكتسبات النقابة في غفلة عن هيئاتها العامة، لتقاد النقابات بذهنية ليبرالية تضعف من روح التكافل والتماسك الداخلي وتعمل على تصفية المكتسبات والبنى الاجتماعية. ولتغطية عجزها، راحت تدفع لتأجيج العداوات، وتشكيل أدوات صدام تحريضية تقوم على أسس أصولية وفئوية، تستبدل الحوار وروح العمل المشترك برفض الأخر وازدراء الهيئة العامة.
أخذ هذا التيار يعمل برؤية مصلحية لتصفية صناديق التقاعد، وإضعاف العمل الجماعي المنظم وتحويل النقابات إلى صيغ أشبه بالجمعيات، تسلب إرادتها ويسهل السيطرة عليها..
في اجتماع استثنائي للهيئة العامة لنقابة الاطباء التأم مؤخرا لبحث دراسة اكتوارية حول حالة صندوق التقاعد، تعمد المجلس حجب معطيات هامة عن الدراسة، ليخلص إلى ضرورة تصفية الصندوق بالكامل كحل لمشاكل عجزه، وسط تصفيق حار لأعضاء المجلس، ثم دفع النقيب الهيئة العامة لاجراء تصويت متسرع لالغاء الزامية عضوية الصندوق!
وفي موضوع قانون المسؤولية الطبية، ورغم خطورة الآثار المترتبة على إنفاذ هذا القانون، وإلحاقه الضرر بعموم المهن الطبية ومضاعفة الكلف العلاجية على المواطن، وتنفيع شركات التأمين، وقف مجلس النقابة عاجزا عن تشكيل ضغط كاف لرد القانون أو تعديل صيغته المجحفة، متساوقا بذلك مع موقف الحكومة الساعي لتسريع الخصخصة والانسحاب من مسؤوليتها في القطاع العام.
وهكذا، فإن صندوق «المهندسين» قد سجل عجزاً بلغ ثلاثة ملايين دينار للعام 2017 بعد أن كان يسجل فوائض هامة، كما سجل صندوق «الاطباء» عجزاً مشابها، وبات هذا الصندوق يتخلف عن دفع مستحقات التقاعد لفترات تمتد إلى ثلاثة شهور متوالية، في وقت نكتشف فيه بأن المجلس قد قام مؤخراً بشراء قطعة أرض بالتقسيط تقارب قيمتها خمسة ملايين دينار ما زالت مسجلة باسم مكتب عقاري!
كل ذلك بدأ يثير القلق من أن استمرار هذا النهج سوف يقود النقابات إلى الانكماش والتشرذم وتبديد عناصر قوتها.
وفي قراءة سريعة للتيارات والاتجاهات داخل جسم النقابات المهنية؛ نجد بداية الاتجاه الديني، وهو تيار منظم، وبمرجعيات محلية وإقليمية معروفة، ويسعى غاليا للسيطرة على المجلس من خلال بناء ائتلافات، يقوم لاحقا بدمجها في إطار رؤيته وأجندته، وهناك التيار القومي اليساري الديموقراطي الـ»مخضرم» والذي يحمل رؤية وبرنامج نقابي وطني يربط فيه الخاص بالعام، و قد اسهم هذا التيار في تأسيس النقابات المهنية و بلورة هويتها و دورها، وقد عانى هذا التيار مؤخراً من ازمته الخاصة، و عاش عددا من الإنقسامات التي عكست في الواقع إختلاف مواقف القوى السياسية المشكلة لأطرافه.
في العقد الاخير برز تيار مما يمكن اعتباره مواليا للحكومة، يطرح نفسه كحالة مستقلة، يجاهر بعدائه للعمل السياسي، بينما هو في الواقع يعكس رغبة الاجهزة بالتواجد في الهيئات القيادية للنقابات، لادراكها بأهمية العمل وسط نخب الطبقة الوسطى وتأثيراتها الواضحة على الرأي العام.
هذا التيار لا يهمه العمل النقابي إلا بقدر ما يوفر له من فرص للتقرب من المناصب الرسمية، وقد وصلت رموز هذا التيار لعضوية بعض المجالس، وقريباً منه هناك تيار ليبرالي هلامي، يتقاطع مع التيار «الموالي» في كثير من المفاصل، ويغلف نفسه بمسحة من الاستقلالية الملتبسة، ويسعى لأي تحالف يحقق له الوصول إلى مواقع السلطة حسب ما تمليه عليه مصالحه الآنية.
تتم مجمل الصراعات في النقابات بين تيارات فكرية وطبقية ومصلحية. وفي المحصلة، يجب علينا أن نفهم الاختلاف من منظور منهجي والتعامل معه كفرصة لتوظيفه في إثراء القدرات والطاقات مع التحلي بدرجة عالية من أدب الحوار واحترام الاخر من أجل مصلحة النقابة والعمل الوطني.
وسط هذا التنوع الموضوعي والمتحرك، نحاول بداية طرح الاسئلة الهامة حول أولويات العمل النقابي وتحدياته الجوهرية؛ كيف نحمي صناديق النقابة ومكاسبها، وما هو دورنا في الصناديق الوطنية مثل صندوق الضمان الاجتماعي الذي يخدم عدداً كبيرا من عضوية النقابات؟
كيف تستطيع النقابات التصدي لسياسات المتاجرة والبزنس في مجال التعليم العالي، وهل تستطيع النقابات تقديم رؤية وطنية لتعليم تقني ومهني يرتقي بالمعرفة ويجيب عن حاجيات التنمية البشرية؟
أين النقابات من آفة البطالة في المجتمع؟ وسط غياب السياسات الحكومية الملموسة لايجاد حلول لها، ألا تستطيع النقابات أن تقدم رأيا مهنيا حول وقف تفاقم هذه الآفة؟ كيف يمكن للنقابات أن تسهم في المساعدة على تقليص البطالة بين الشباب وصولا لدمج المخرجات في خطط التنمية الاقتصادية الوطنية؟
ماذا علينا أن نعمل حتى تعود النقابات كمؤسسات مجتمع مدني إلى دورها الوطني والمشاركة في الشأن العام لمواجهة سياسات التفقير والتركيع وحالة التبعية والتسويات التصفوية، بينما يعاني ربع مليون نقابي من تأثيرات هذه السياسات.
الأزمة تطال الجميع وعلى الجميع أن يتحمل مسؤولياته بجرأة. قد نصطدم بمجالس اصابتها آفة السلطة، ولكن العمل في النقابات يحتاج إلى مثابرة ورؤية ثاقبة واعية تدفع التنافس باتجاه تحديد الاولويات وتقديم البرامج وإيجاد الحلول.
في دورتها الانتخابية الاخيرة، جرت في نقابة المهندسين محاولة جادة، اسفرت عن ولادة تيار ديموقراطي يساري قومي وطني مستقل «نمو»، وفي نقابة الاطباء، يتم الان محاولة جدية لبلورة نموذج توحيدي ديموقراطي جامع، يواجه تحديات النقابة الملحة ويسهم في حل أزمتها.
إن عمق ازمة النقابات تستحق السير عبر طريق التحالفات الديمقراطية الواسعة، وعلى التيار النقابي المهني الديموقراطي الوطني في النقابات أن يتوحد، ويقدم الإطار والبرنامج القادر على ايجاد الحلول لازمة النقابات والاجابة على تحدياتها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق