مسيرات العودة الكبرى تسقط كافة الرهانات على إسقاط حق اللاجئين بالعودة وتتمسك بعروبة القدس

توسيع المسيرات وتحويلها إلى انتفاضة سيقطع الطريق على استثمارها من أجل أهداف فئوية

لطالما كان لغزة وأهلها تكتيكهم المختلف، وطريقتهم الخاصة في مواجهة العدو الصهيوني. هذه السنة قرر الفلسطينيون في قطاع غزة المحاصر أن تكون المواجهة مختلفة أيضًا، فأعلنوا عن انطلاق مسيرة العودة الكبرى، يوم الجمعة الثلاثين من آذار، تزامنًا مع ذكرى يوم الأرض، وأقاموا خمسة مخيمات على طول السياج الفاصل في مناطق قطاع غزة من شماله حتى جنوبه.

للجمعة السادسة على التوالي، حتى تاريخ كتابة هذا التقرير، خرج الغزيون للتأكيد على أن عودتهم لأراضيهم التي سلبها الاحتلال الصهيوني لن تكون إلا بالمواجهة. وبحسب وزارة الصحة في غزة، ارتقى 45 شهيدًا في تلك المواجهات منذ بدء فعاليات مسيرة العودة الشعبية، وبلغ إجمالي عدد الإصابات 7945 إصابة بجراح مختلفة واختناق بالغاز، وإصابة 100 من الطواقم الطبية وتضرر 25 سيارة إسعاف.

اختلف المحللون حول أهداف تلك المسيرات ومسارها، وفي هذا الجانب قال عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، كايد الغول إن «أهداف مسيرة العودة الشعبية متشعبة. عنوانها الرئيسي هو إعلان التمسك بحق العودة إلى الأراضي الفلسطينية التي هُجَّر منها شعبنا، وفي ذات الوقت ردا على ما سُمي «صفقة القرن»، وعلى قرار الإدارة الأمريكية بنقل السفارة الأمريكية إلى مدينة القدس المحتلة، والاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني»، مُضيفًا أنها جاءت أيضًا «للتأكيد على أن الشعب الفلسطيني وبرغم كل الظروف المجافية مُصمم على استمرار نضاله من أجل افشال المخططات التي تسعى لتصفية قضيته وحقوقه الوطنية، ومن أجل التوحُّد في الميدان لإفشال كافة هذه المخططات».

وأشار خلال حديثه أن هناك أيضًا هدف وهو «كسر الحصار عن قطاع غزة، حيث تفاقمت معاناة الشعب الفلسطيني في القطاع جراء استمرار الاحتلال الاسرائيلي في سياساته لخنق القطاع، أو حتى تلك الاجراءات التي فاقمت من هذه المعاناة التي أقدمت عليها السلطة الفلسطينية».

وأكّد أن الجبهة الشعبية تدعو دائمًا إلى «محاولة تنظيم هذه الفعاليات من خلال قيادة واحدة يمكن أن تترسم بمشاركة الجميع، والاتفاق على أهدافها المباشرة وغير المباشرة حتى تنظم فعاليات ونشاطات هذه الجماهير الواسعة التي تشارك في هذه المسيرات».

من جانبه يرى المحلل السياسي، عليان عليان، أنه على الصعيد الاستراتيجي استهدفت المسيرات التأكيد على أن «هدف التحرير والعودة هو جوهر القضية الفلسطينية وهو الحلقة المركزية في النضال الفلسطيني، وأكدت على رفض مشاريع التسوية للقضية الفلسطينية  ابتداء من أوسلو مرورًا باتفاق الخليل  وواي ريفر وخارطة الطريق  وأنابوليس وصولاً لصفقة القرن الصهيوأميركية السعودية.» وأضاف أنها أيضًا «أكدت أن حق التحرير والعودة حق مقدس فردي وجماعي غير قابل للتفويض والإنابة ولا يسقط بالتقادم. كما طرحت سؤال حول مدى وزيف شرعية الوجود لدى المستوطنين اليهود في فلسطين.»

أما على الصعيد التكتيكي فيرى عليان أن المسيرات «فرملت صفقة القرن التي جرى ترتيبها من قبل جاريد كوشنر – صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب – وولي العهد السعودي محمد بن سلمان. وأكدت أن الشعب الفلسطيني يرفض وبشكل جذري إجراء مقايضة بين الدولة وحق العودة. كما أكدت على المزاوجة بين مختلف أشكال المقاومة دون إلغاء أي شكل منها.» وأضاف قائلًا إن المسيرات «أجبرت النظام العربي الرسمي على التراجع عن موقفه المتساوق مع القرار الأمريكي بشأن اعتبار القدس عاصمة للكيان الصهيوني، إذ صدر عن قمة الظهران قراراً برفض اعتبار القدس عاصمة للكيان، علمًا أن  قرار ترامب بشأن القدس متفق عليه في صفقة القرن بين الإدارة الأمريكية والرجعية العربية وتوابعها».

وتابع عليان « لقد شكلت مسيرة العودة الكبرى إنجازًا للشعب الفلسطيني وللمقاومة في كسب المعركة على الوعي، وقد أشار الباحث الإسرائيلي الجنرال المتقاعد رونين إيتسيك في مقالٍ نشره على الموقع الالكترونيّ لصحيفة (يسرائيل هايوم) المقربة من نتنياهو بقوله «إن استجلاب جيش الاحتلال قواته إلى «الحدود» مع قطاع غزة سينجح في وقف المتظاهرين الفلسطينيين»، لكنْه استدرك قائلًا «إنّه في الحقيقة أنّ  المقاومة نجحت في التسبب لما أسماه «أقوى جيش في الشرق الأوسط» بالدخول في حالة استعداد وصلت إلى الدرجة القصوى، مُوضحًا في الوقت عينه أنّ إناطة إدارة المعركة بالقائد العّام لجيش الاحتلال، الجنرال غادي آيزنكوط، هي بحدّ ذاتها إنجاز لصالح  المقاومة في المعركة على الوعي».

مسيرة العودة الكبرى وفكّ حصار غزة

وحول ما إذا كان هناك ضمانات لعدم تحويل مسيرات العودة لأداة للتفاوض مع الاحتلال الصهيوني، شدّد الغول على أن وجود قيادة واحدة واتفاق على أهداف هذه المسيرات والعمل على توسيع فعلها وبمُشاركة أوسع في الضفة والداخل المحتل والخارج، من شأنه أن يقطع الطريق على إمكانية أي استثمار مباشر أو عاجل لهذه المسيرة»، مُشيرًا إلى أن «التجربة التاريخية أثبتت أنه في انتفاضة عام 1987 جرى الاستعجال في قطف نتائج هذه الانتفاضة من خلال الذهاب إلى مؤتمر مدريد وما تولّد عن ذلك من اتفاقات سميت «بأوسلو»، ونرى أنه تم إجهاض هذه الانتفاضة العظيمة لشعبنا والتي أذهلت العالم وأجبرته على وضعها على طاولة البحث في مختلف التجمعات الاقليمية والدولية».

وتابع: «الآن وبدون أي مغامرة، علينا أن نعمل على تطوير مسيرات العودة لتصل إلى مستوى انتفاضة»، وحذَّر في ذات الوقت «من تجيير هذه المسيرات لصالح وجهة نظر خاصة هدفها تحقيق مكاسب خاصة، أو استخدامها في إطار مناكفات داخلية».

وجدّد عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية حديثه بالقول «هذه المسيرات الكبرى التي توحَّد فيها شعبنا تحت علم فلسطين، يجب أن تستمر في فعلها تحت قيادة وطنية واحدة وبأهداف مُحدّدة، وأن تتسع دائرة المشاركين فيها لتشمل الضفة والداخل المحتل والخارج، ما يمكن أن يقطع الطريق على إمكانية الاستثمار الخاطئ أو المتعجل لهذه المسيرات».

فيما لفت الرفيق عليان إلى أن «أحد  أهداف هذه المسيرات المتصلة هو الضغط بالدم والتضحيات على النظام العربي الرسمي لفك الحصار عن قطاع غزة، ولفت أنظار الرأي العام العالمي بشأن ما يعانيه أبناء شعبنا في القطاع من معاناة على الصعد الاجتماعية والصحية والتعليمية.» مُشددًا على أن الحصار المفروض على القطاع حصار مزدوج  صهيوني وعربي رسمي.»

ونوّه إلى أن الهيئة التي تشرف بالتفصيل على مسيرات العودة تحمل اسم «الهيئة الوطنية العليا لمسيرات العودة وكسر الحصار».

وفي ذات السياق، تابع عليان «إن أحد الأهداف الضمنية من هذه المسيرات هو توجيه رسائل للشعب الفلسطيني في الشتات ولجماهير الأمة العربية وقواها التقدمية، بضرورة أخذ دورها في الضغط على  الحكومات العربية التي تشارك في حصار القطاع، عبر مسيرات موازية تحمل شعارين رئيسيين هما: حق العودة – العودة حق، ورفع الحصار فورًا عن قطاع غزة.»

الفصائل الفلسطينية ومسيرة العودة

وحول قرار هذه المسيرات إن كان بالتوافق بين كافة الفصائل الفلسطينية أو بالتفرد لدى جهة بعينها، شدّد القيادي في الجبهة الشعبية على أن هناك لجنة وطنية هي التي تحدد «أسماء الفعاليات في كل يوم جمعة، وتصدر بيانًا موحدًا بشأنها، وتدعو للمشاركة الجماهيرية في هذه الفعاليات».

وأوضح أن هذه اللجنة «تنظم إدارة هذه المسيرات في المواقع المختلفة، رغم أن هناك قطاع من الشباب الذي يعبر عن ذاته بمواقف خاصة فيه من حيث حدود الاشتباك مع العدو، والوصول أحيانًا إلى نقطة الصفر مع جنود الاحتلال، غير آبهين بالخسائر التي من الممكن أن تنجم عن ذلك»، مُؤكدًا أن هؤلاء الشبان يحاولون فرض واقع جديد مفاده «لا يمكن السماح بإبقاء ما تسميه دولة الكيان بالمنطقة العازلة على حدود قطاع غزة، وهناك دلالات كبرى في استمرار سحب الشبان للأسلاك الشائكة التي تفصل القطاع عن مناطق الـ48 رغم كل ما يعتري ذلك من مخاطر قد تلحق بهم»

بدوره يؤكد المحلل السياسي عليان عليان أن الهيئة الوطنية العليا لمسيرات العودة وكسر الحصار تشمل 15 فصيلًا وتنظيمًا شعبيًا، أي أن هذه الهيئة تشارك فيها جميع الفصائل، كما أنها جميعًا ممثلة في اللجان المتفرعة عنها «اللجنة القانونية والصحية والإعلامية وغيرها من اللجان.» ويشدد عليان أن الفصائل الوطنية الفلسطينية ليست مجرد مشاركة على الأرض وفي الميدان في هذه المسيرات، إنما هي طرف أساسي في اتخاذ القرار وفي الإشراف بشكل يومي على المسيرات وتطوراتها وسبل إدامتها.»

في الختام حذّر عليان من الوقوع في فخ الإعلام الصهيوني والأمريكي والرجعي الذي يصوّر بأن هذه المسيرات تقف وراءها حركة حماس فقط.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.